
المقعد الأخير
بقلم: أسماء أحمد
حين جلست في القطار، لم أجد سوى مقعدي الأخير، فنظرت أمامي، فوجدت شريطًا من الذكريات يمر أمامي، ما بين ماضٍ أليم وحاضر ليست له أي ملامح.
حينها تذكرت أن قطاري لم يقف بعد، وأن مقعدي، وإن كان في رمقه الأخير، فسوف ينجو من يأسه.
من هنا أدركت حينها أنه عندما يتسلل اليأس إلى قلوبنا، لا ننظر إلى طول الرحلة، بل ننظر إلى ما توصلنا إليه عند العبور إليها. ومن هنا تبدأ الرحلة، رحلة رحلتنا مع الحياة.
فنظرت من شرفة القطار أثناء سفري إلى القاهرة، وأنا أستعد للسفر، لكن السفر هذه المرة لم يكن عاديًا؛ فهي رحلة اختبار بين الوعي واللاوعي.
كان صوت عجلات القطار يتردد في أذني بإيقاع متواصل، وكأن كل دقة منها تذكرني بأن الوقت يمضي، وأن هناك شيئًا ما ينتظرني في نهاية هذه الرحلة.
نظرت إلى القطار من حولي، فرأيته مكتظًا بالركاب، ولم أجد سوى مقعدي الخلفي، وهو المقعد الأخير.
كان المقعد باردًا على نحو غريب، وكأن أحدًا لم يجلس عليه منذ زمن طويل، ورغم أن القطار كان مكتظًا بالركاب، شعرت وكأنني أجلس وحدي في عالم لا أعرفه.
سمعت أصوات همسات الجالسين من حولي، يهمسون بهمهمات غريبة لم تكن مفهومة.
فسألت نفسي: هل هؤلاء أشخاص حقيقيون، أم أن هذا هو الوهم الذي أصابني؟
فتبادر إلى ذهني سؤال: متى صعدت إلى القطار؟
فوجدت أنني صعدت الساعة الثانية عصرًا.
فنظرت إلى الساعة، لكنها لم تتغير، كأنها توقفت عند ذلك الوقت.
حاولت أن أشيح بنظري عنها، ثم عدت إليها مرة أخرى، وكأنني أنتظر منها أن تخبرني بأن ما يحدث مجرد وهم.
لكنها ظلت تشير إلى الثانية عصرًا.
فسألت شخصًا يجلس أمامي: كم الساعة؟
نظر إليّ، ولم يجب بكلمة، وكان مغمض العينين كأنه نائم. وبينما كان يلتفت إليّ، حلّ الظلام من حولي، والساعة لم تتغير، فقد توقفت عند الثانية عصرًا.
فأصابني الجنون.
هل أنا ركبت قطاري الأخير؟ أم أنني فاقدة الشعور؟
بدأت أنفاسي تتسارع، وشعرت بقلبي يخفق بقوة، ومددت يدي لأتحسس المقعد من تحتي، وكأنني أبحث عن دليل يخبرني بأنني ما زلت في الواقع.
نظرت إلى الجالسين من حولي، فرأيتهم جميعًا مغمضي العينين.
فصرخت فيهم:
— هل أحد يسمعني؟
فلم أجد أي إجابة.
والقطار يسير بسرعة فائقة، أكاد أفقد معها وعيي.
حاولت أن أتحرك من مقعدي، لكنني شعرت وكأن شيئًا ما يمنعني. نظرت إلى الأمام، ثم إلى الباب، وكأن النجاة أصبحت على بُعد خطوات مني، لكنها في الوقت نفسه أبعد مما تخيلت.
وفجأة، جاءني شخص يهمس في أذني:
— لقد ركبتِ القطار الخطأ، وجلستِ على هذا المقعد. كل من يجلس عليه في الحياة يظل مكانه، لا يتحرك. فهو المقعد الأخير.
التفتُّ بسرعة لأرى من يتحدث، لكنني لم أجد أحدًا.
نظرت خلفي، ثم إلى المقاعد من حولي، فلم أجد سوى الركاب مغمضي العينين.
عاد الصوت مرة أخرى، أكثر وضوحًا:
— حين تجلسين فيه من بداية الطريق، تظلين عالقة فيه، لا شيء يتغير من حولك؛ لأنك أنتِ من اخترتِ طريق المؤخرة.
حينها لا أحد يراك، ولا شخص يسمعك.
نظرت إليه وأنا أحاول أن أستوعب كلماته، ثم نظرت إلى الساعة مرة أخرى…
الثانية عصرًا.
لم تتحرك.
وضعت يدي على المقعد، وشعرت ببرودته تسري في جسدي، وكأنني لم أجلس عليه منذ دقائق، بل منذ سنوات.
نظرت إلى النافذة، فلم أجد القاهرة، ولا أي مدينة أعرفها، بل رأيت وجوهًا أعرفها… وجوهًا من الماضي، وأيامًا ظننت أنني تجاوزتها.
كانت الذكريات تمر أمامي كأنها شريط لا يتوقف، وكلما حاولت أن أغلق عيني، ظهرت أمامي صورة أخرى من الماضي.
عندها فهمت.
لم يكن القطار هو الذي أخطأ الطريق…
كنتُ أنا من اخترتُ المقعد الخطأ.
وحين التفتُّ لأبحث عن الرجل الذي همس في أذني، لم أجده.
لكنني سمعت صوته مرة أخرى، هذه المرة من خلفي:
— ما زال بإمكانكِ أن تنهضي…
نظرتُ إلى المقعد.
ثم إلى باب القطار.
كان الباب مفتوحًا.
ولأول مرة منذ بدأت الرحلة، شعرت أن القرار أصبح بيدي.
إما أن أبقى في المقعد الأخير، أراقب الحياة وهي تمر من أمامي، أو أنهض وأكمل رحلتي، حتى لو كان الطريق مجهولًا.
مددت يدي نحو الباب، ونهضت.
وفي اللحظة نفسها، تحركت الساعة…
الثانية وواحدة دقيقة.
توقفت للحظة، وأنا أنظر إليها غير مصدقة.
ثم ابتسمتُ.
لقد تحرك الزمن.
لم يكن قد توقف قط…
أنا التي توقفت.
وأدركت أن أصعب رحلة في الحياة ليست الرحلة التي نجهل نهايتها، بل الرحلة التي نعرف أننا يجب أن نبدأها، ونخاف أن نخطو أول خطوة فيها.
نظرت إلى المقعد الأخير للمرة الأخيرة.
ثم تركته خلفي.
ومضيت.





